عالم دون أنبياء

أضيف بتاريخ ٠٤/٢٨/٢٠٢٠
مكتبة نرجس للكتب المصورة


 

📚 كتاب : عالم دون أنبياء 
📝 المؤلف : سماحة الشيخ حسين الخشن
📖 الصفحات :     217

 

هو الإصدار الأوَّل ضمن سلسلة دراسات إسلامية معاصرة يقدّمها الشيخ الدكتور حسين الخشن، أستاذ الدراسات العليا – بحث خارج الفقه – في الحوزة العلميَّة في بيروت، المعهد الشرعي الإسلامي، الَّذي أصدر أيضًا مجموعة من العناوين المهمَّة، منها العقل التكفيري، أصول الاجتهاد الكلامي، الفقه الجنائي في الإسلام، وغير ذلك.

تلاحق هذه الدراسة جملة من الإشكاليات العقدية والفكرية المستجدة، وتعتبر محاولة نقدية جريئة لما يطرحه اللادينيون والملحدون بشكل عام، والربوبيون بشكل خاص. قد يكون الدافع الذي حرَّك الكاتب لإجراء الدراسة، هو الصّوت الذي يصدح عاليًا في وجه الأديان، ولا سيّما الإسلام، متهمًا إياها بالعنف والتطرف واللاإنسانية، وهو ما أحدث تزعزعًا خطيرًا في نفوس بعض المتديّنين حول صدقيَّة معتقدهم ودينهم.

الربوبيَّة: مفهوم ومنهج

ينطلق الكاتب من قاعدة نقديَّة تعتمد على الحجة والبرهان العقليين، بطريقة سهلة تحاول استيعاب الربوبيين لا تنفيرهم، وتبتعد عن أسلوب التخوين، وهو يحاول الإجابة على الكثير من الأسئلة المتصلة بالفكر الربوبي، فبعد أن يشرح مفهوم الربوبيَّة، ويضيء على أهمّ أفكارها وتاريخها والأسباب التي جعلتها منتشرة، يشير إلى أنَّ الإيمان عند الربوبيين يقتصر على الاعتقاد “بالربّ فقط” ورفض مبدأ النبوّة، لافتًا إلى أنَّ انتشار الربوبية في زماننا الحاضر قد اتكأ على الضّعف الَّذي ينتاب الفكر الديني على أكثر من صعيد، منها احتراب الجماعات الدينية وانتشار الخرافة والعصبية.

يحاول الشيخ الخشن أن يعالج دوافع هذا الفكر – بعد عرضها – بشكل موضوعي، فيقول: «لا يمكن أن نلوم الربوبي على رفضه (لأنبياء القتل) ونفوره من (رسل الذبح)، فأنا شخصيًّا لا أؤمن بأنبياء أو رسل كهؤلاء». ولذا، يرى أنّ من أولى أولويات العقل الإسلاميّ في هذه المرحلة تقديم رؤية دينيَّة متماسكة، وإعادة قراءة الموروث التاريخي والحديثيّ قراءة نقدية.

كذلك، يبيّن وجوه الضّعف والخلل في المنهج الربوبيّ، ويناقش أسئلة مختلفة: هل يثبت المسلمون النبوة عن طريق العقل أو الوحي؟! هل العقل استطاع أن يحلّ كلّ المشاكل في عالمنا هذا؟ وهل يستحيل، عقلاً، إرسال رسل من الله إلى خلقه؟!

يرى الباحث الإسلامي أنَّنا نستطيع أن نجاري الربوبي على قاعدة الإمكان، ما يجعلنا نلاحق الدليل، فالعقل هو الَّذي قاد إلى الإيمان بالوحي، والوحي يسدّد العقل ويرشده ويوصله إلى الله تعالى.. إنَّ للربوبيين تصورًا معينًا لله عزّ وجلّ، وهم يعرضون الله عن طريق القوانين الطبيعية، ويعتقدون أنَّه قوة كونية، ولكنه لا يتدخّل في شؤون الحياة، ولهم اعتراضات على أصحاب الفكر الديني فيما يتعلّق بالله عزّ وجلّ وعلاقة الإنسان بالله على المستوى العبادي.

في نقض أدلة الربوبيّ!

يوجّه المؤلّف في الكتاب مجموعة من الأسئلة، منها: إذا لم يرسل الله الرسل فكيف يسكت عمّا يجري باسمه؟! فهل يقبل العقل إلهًا منزوعَ الصلاحية لا يملك أن يتدخَّل في شؤون الكون والحياة؟! ومن ثمّ يصل إلى نقطة ارتكازية مع الربوبي، ألا وهي اعتقادنا أنَّ الكون يتحرَّك وفق منطق السنن والقوانين، أو ما يسمى بمبدأ الأسباب والمسببات، وأنَّ هناك قوانين يخضع لها الإنسان، منها قانون حرية الاختيار والإرادة، ولكن في الوقت نفسه، فإنَّ الله قادر على التدخّل في الكون وفي الفعل الإنسانيّ. ولذلك، يعترض على فكرة الربوبي حول التقدير الإلهي، ويجيب عليه في الحالتين؛ إن كان قصده بالتقدير العلميّ أو التكوينيّ.

يعرض الكاتب أيضًا أهمّ المرتكزات الدينيَّة لإثبات ضرورة النبوّة وأهميتها، فالأنبياء لديهم قابليات وملكات جعلتهم محطّ اختيار الله وتكليفهم بالرسالة. ولأنهم قدوة، فقد بعثوا من داخل المجتمعات ووفق طبيعتهم البشرية، و«لم يهبطوا من السماء إلى الأرض، وإنما صعدوا من الأرض إلى السماء».

ويناقش فكرة الربوبي القائمة على إنكار الحاجة إلى النبوة، مستعرضًا في هذا المجال خمسة براهين عقليَّة تؤكّد حاجتنا إليها، كما أنَّه يطرح بعض الإشكالات والشبهات في ساحة الفكر الديني، ثمَّ يطرح إشكاليات لم يطرحها الربوبيون أنفسهم، ويعرض إجاباته عليها، اعتقادًا منه بأنَّ الموضوعية تفرض عليه أن يقدّم حجّة الخصم بأقوى ما يكون، ليبدأ بعدها في تفنيدها ومناقشتها بشكل علميّ وعقليّ ومنطقيّ، بعيدًا عن كلّ ما يثير الأجواء السلبية، إلى أن يصل إلى تساؤلات أخرى: هل المجتمعات المتمدّنة دليل على استغنائنا عن النبوة!؟ وهل هذا الأمر واقعيّ فعلاً؟!

ويقدّم خلاصة في ضوء ما عرضه، يؤكّد فيها أنَّ عالمًا دون أنبياء، «هو عالم تغيب عنه التجربة المعنوية الغنية التي تمنح الإنسان كلّ هذا السمو الروحي، هو عالم تغيب عنه الحكمة والغاية وراء الخلق، هو عالم تتراجع فيه المبادئ الأخلاقية.. إنّ عالمًا دون أنبياء هو عالم تغيب عنه حكمة داوود وبصيرته، وحنفية إبراهيم وأصالته، وطهر المسيح وبركته، وشجاعة موسى ونبله، واستقامة محمّد ومكارم أخلاقه».

إشكاليَّة انقطاع النبوّة

عندما لا يستطيع المرء أن يهدم بيتًا، فإنه سوف يسعى للعمل على تشويهه وتخريبه. هكذا هم الربوبيون عندما فشلوا في إبطال فكرة النبوات من أصلها أو عدم الحاجة إليها، فقاموا بإثارة الغبار في وجه الدين، كما يقول الكاتب، وخلق جوّ قلق بين المتدينين. ومن هذا المنطلق، حاول الكاتب تحت عنوان (إشكاليات الربوبي على الأديان)، أن يعالج كثيرًا من الإشكاليات المتعلقة بالنبوة بشكل خاصّ، وبالأديان بشكل عام، من خلال تثبيت مرتكز مهمّ في عالم النبوات، ألا وهو اشتراكها على أكثر من مستوى، العقدي والتشريعي والعبادي، وإن اختلفت في بعض التفاصيل، فهو أمر تمليه ضرورة مواكبة الرسالة السماوية للنمو العقليّ والثقافيّ الذي يشهده الإنسان، وكذلك التغيّرات التي تشهدها الحياة الاجتماعية.

أما على مستوى ختم النبوة، فإنَّه يقدم عدة إجابات تعالج إشكالية في غاية الحساسية: لماذا تمّ قطع النبوة؟ ألسنا بحاجة إلى النبوة؟ ويطرح رؤية مهمّة تحت عنوان (بلوغ النبوة لكمالها/ انتهاء مرحلة بعثة الأنبياء)، فالمرحلة الَّتي اتّسمت بالتعقّل أسَّس لها النبي الخاتم من خلال جوانب عدة يذكرها الكاتب في طيّات هذه الإجابة، ولكنه في خاتمة الجواب، يقدم اعتراضًا يركز فيه على أنَّ الهداية عليها أن تتحرَّك بعجلتين؛ العقل والوحي، لا العقل فقط. كما أنّ استمرار النبوة من خلال الرسالة الخالدة، هي فكرة قائمة على خاتميّة الرسالة ومتوائمة مع خاتمية المعجزة، فالقرآن يلتقي مع الخط الفكريّ القائم على العقل والوجدان في هداية الناس إلى الله سبحانه وتعالى، إلى أن يصل الكاتب إلى رأي مهم، هو عدم التنافي بين المرجعيتين؛ العقل والوحي.

ويقول في هذا السياق: «إنَّ البلوغ أو النضج الاجتماعيّ الّذي وصلت إليه البشرية في عصر النبوة الخاتمة هو عنصر ممهد لختم النبوة»، وانقطاع النبوة لا يعني انقطاع فيضها وعطاءاتها. ثمَّ يختم الدّراسة النقدية بإشكالية إرسال الأنبياء إلى منطقة واحدة هي المنطقة العربيَّة.

وفي ملحقه، يقدّم الكاتب نظرة جديدة مغايرة لما هو مشهور بين أوساط العلماء والعامة من الناس حول حديث (علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل)، ليثير أكثر من إشكاليَّة حوله، وينتهي إلى أنَّ مصدر الحديث وسنده ومتنه لا يساعد على تثبيته، وخصوصًا أنَّه يدخل في المحاججة على المستوى العقدي والفقهي. وبذلك، يصعب الالتزام بمثل هكذا حديث.

رابط إحتياطي


عالم دون أنبياء.pdf عالم دون أنبياء