فقه العربية المقارن

أضيف بتاريخ ٠٥/٣٠/٢٠٢٠
مكتبة نرجس للكتب المصورة


كتاب: فقه العربية المقارن دراسات في اصوات العربية وصرفها ونحوها على ضوء اللغات السامية
تأليف: الدكتور رمزي منير بعلبكي
الناشر: دار العلم للملايين
عدد الصفحات: 272
الحجم: 4.0 MB


تقديم: مجال بحثنا هذا هو العربية الفصحى، ومنهجه هو المنهج المقارن للغات السامية . ولئن كان مجرد قيام هذا الكتاب على المنهج السامي المقارن ينميه إلى صنف من التأليف نادر في العربية، من المؤمل أن يكون في مادته ونماذجه ما يجعله فريدا في بابه كما أردناه، وأن يكون في المعالم الكبرى للخطة التي اقترحناها فيه لدراسة العربية دراسة مقارنة ما يسعف على فهمنا لكثير من مسائل العربية صوت وصرفا ونحوا. ولقد جعلنا البحث في بابين اثنين : أولهما الإطار النظري، وثانيهما نماذج الدراسة التطبيقية. ففي الفصل الأول من الباب الأول عرضنا للمراد بالدراسة اللغوية المقارنة، ثم توقفنا عند مسألتين تاريخيتين هما بمثابة المدخل إلى سائر أقسام الكتاب باعتبارهما جزءا من الأساس النظري الذي نستند إليه في عملنا، فأولاهما تتناول لمحة عن الخصائص السامية المشتركة تظهر انتماء العربية إلى المجموعة السامية تمهيدا لتبيان موقعها فيها، والثانية تنظر في البنات الأولى للدراسة المقارنة كما نقع عليها في التراث العربي فتغدو کالعمق التاريخي لدراستنا المقارنة. أما الفصل الثاني من الباب الأول فهو لب هذه الدراسة النظري وقوامها، وفيه خطة مقترحة لدراسة العربية دراسة مقارنة في الأصوات والصرف والنحو. وإذ إن المسائل الصوتية والمصرفية والنحوية المقارنة في اللغات السامية كثيرة ومتشعبة، وإذ إننا لا نرمي إلى أستنفادها جميعا وإلا لكنا وضعنا نحوا مقارنا للغات السامية، ذكرنا في متن الكتاب أننا نقتصر في تلك المسائل على ما هو أقدر على الكشف عن خصائص العربية وعلى ما لا يحوجنا إلا إلى تقرير مبادیء عامة قليلة يتم النفاذ منها إلى القدر الأكبر من المسائل التي تقع دونها في التسلسل . وهذان المعباران هما الأساس الذي حكمناه في المواقف النظرية التي أرسينا عليها الدراسة ، كاعتمادنا الثنائيات الأربع التي اقترحناها في دراسة الأصوات منطلقا لتلك الدراسية، وكاتخاذنا المقایسة محورا للدراسة الصرفية. أما الباب الثاني ففيه نماذج تطبيقية ثلاثة، يعرض أولها لقضية صوتية هي الصوامت العربية وتطورها التاريخي من حيث محافظتها على الأصل أو ابتعادها عنه ؛ ويتناول الثاني فكرة المقايسة - وهي عماد الدراسة الصرفية كما حددناها في القسم النظري - وينظر في أثرها في باب صرف محدد هو الضمائر ؛ ويشتمل الثالث على ما قد يصلح أن يكون مدخلا لدراسة الأدوات دراسة مقارنة في عدد من المسائل المتعلقة بها. ولما كان في أساس قصدنا أن نحدد ما تتميز به العربية ضمن المجموعة السامية ، رحنا ننظر في جملة من المسائل المصرفية والنحوية التي تتفرد بها العربية في تلك المجموعة أو التي تشارك به غيرها بعض المشاركة دون أن تكون الظاهرة من السامي المشترك . وإننا نرى أن تطور العربية وانضجها قياسا على أخواتها جميعة قد يرجع، جزئيا، إلى أن العربية قد ظلت لغة حية بعد أن ماتت تلك الأخوات في الاستعمال الحي، أي في الخطاب والتأليف. إلا أن الكلام على الفروق في مدى حياة اللغات أمر لا يفضي إلى نتيجة قاطعة لقلة ما أيدينا أدلة عليه؛ فقد تكون العربية أحدث نشأة من أخواتها فلا يغدو استمرارها في الاستعمال بعد اندثار أخواتها دليلا على فترة بقاء أطول. ولذلك بحثنا عن علة أخرى تفسر الفرق بين العربية وأخواتها من حيث التطور والنضج ، علة تتعلق بطبيعة العربية نفسها، لا في مدة حياتها؛ وإن شئنا أن نذهب إلى ما هو أبعد قلنا إنها تتعلق با «روح، العربية أو شخصيتها»، وهو ما يميزها فوق ما هو مشترك بين الساميات. ولعل ما يسوغ لنا الاقتراب من معرفة ممنه هذا «الروح» وهذه «الشخصية» سمات تطرقنا إليها في مواضع من الكتاب، وفي آخر الفصل الثاني من الباب الأول، فمنها : (۱) توليد أدوات وأوزان غير موجودة في الأصل للدلالة على معان معينة ، كأداة التنكير، وأفعل التفضيل، وصيغتي التعجب، والأوزان افعل» و«افعال» والتفاعل»؛ و(۲) تخصیص صيغ مشتركة في الساميات بدلالات جديدة، نحو: «فعل» وفيل» والمصدر الصناعي؛ و(۳) تعميم الظاهرة على سبيل المقايسة، کتثنية الضمائر والصفات والأسماء المبهمة، وتعميم البناء للمجهول على المزيدات؛ و(4) توسیع الظاهرة القائمة في الأصل المشترك، كما في النوعين الصرفيين للأسماء الموصولة («الذي» مختلفة ( ومشتقاته، و«ذو» ومشتقاته)، واستخدام نونين اثنين للتوكيد؛ و(5) الإيجاز، كما في التفرقة القياسية بين جمع القلة وجمع الكثرة فتكون للصيغة دلالة الجمع مع صفة زائدة على مطلق الجمع، وفي أفعال المقاربة والإنشاء التي تتضمن دلالها حدوث الفعل وصفة زائدة على ذلك؛ و(6) استغلال المادة الخام» استغلالا إلى الغاية القصوى، كما في القدرة على بناء نظام معقد ودقيق لدلالة الفعل الزمانية من صيغتين فعليتين فحسب . عدة» تقتصر على وكان منطلقنا في تحديد العلاقة بين العربية والسامية الأم التجرد والبح عما هو الأقرب إلى الحقيقة، لأن القطع في مثل هذا أمر منتفي بالضرورة. ولم يكن يعنينا أن ثبت أن العربية أقرب من أخواتها إلى الوضع الأصلي في السامية الأم أو أبعد منها عنه. وقد حاولنا جاهدين ألا نقع فيما يقع فيه صنفان متناقضان من الباحثين لا يجمع بينهما إلا مجافاة التجرد العلمي: فالأول يجهد ليثبت أن العربية أقرب من سائر الساميات إلى اللغة الأم المفترضة، ويبني على ذلك فخرا في غير موضعه ؛ والثاني يجهد ليثبت العكس تماما، وهما منه بأن في ذلك انتقاصا من أهمية العربية وزعزعة التصدرها المجموعة السامية في أهميتها. ولما كتا تيي أن مادة الكتاب بطبيعتها محتملة للتأويل والخلاف، فقد قمنا بعرض المادة وتحليلها من وجهة نظرنا نحن، ليظهر في ذینك العرض والتحليل تصورنا الخاص للإطار النظري العام للدراسة، ولسهم في المسائل الجزئية بآرائنا التي نحرص على إبدائها وتوثيقها حصنا على القول إنها من جملة آراء محتملة نظرا يمكن اعتمادها في دراسة العربية مقارنة بأخواتها. والفيصل رأي وآخر استيفاؤه للمعيارين اللذين سبق أن بيتا أنهما الأساس الذي نحكمه في هذه الدراسة . ، بین ونود أن ننبه في هذا التقديم إلى استخدامنا رموز الكتابة الصوتية للدلالة على طق الكلمات السامية ، عربية أم غير عربية . ويهمنا هنا أن نؤكد أن مرد ذلك إلى أمر عملي لا إلى محكم على صلاحية الكتابة السامية - ويعنينا منها العربية تحديدة - أو مناسبتها لطبيعة اللغات السامية . فأما الأمر العملي فهو أننا لو استخدمنا الكتابة العربية البيان نطق الكلمات العربية أو السامية الأخرى لفتنا على أنفسنا كتابة الصوائت القصيرة على نحو تظهر فيه مستقلة عن الصوامت، أو تحتها، وصعبت المقارنة بين الصيغ الواردة ولا سيما عندما تكون الصوائت هي المقصودة بالتعليق، وذلك ما سيلمسه القارىء في مواضع كثيرة من الكتاب. وأما اقتصار العربية وسائر الساميات - باستثناء الحبشية التي يعدل فيها شكل الحرف تعبيرة الصائت الذي يليه - على كتابة الصوامت في صلب الكلمة) ومن ثم زيادة الصوائت القصيرة فوق الصوامت أو تحتها فهو أمر مناسب جدا لطبيعة الاشتقاق السامي. فاللغات السامية تستخدم الصوامت للتعبير عن الفكرة العامة للكلمة، وتستخدم الصوائت للتفرقة بين المعاني المختلفة للكلمات ولإعطائها ظلا معنوية خاصة. فالجذر (كتب) في العربية مثلا، وإن لم يكن له وجود حقيقي خارج كلمة معينة ، يعبر عن فكرة عامة، سواء في ذلك قولنا «کاتب» أم «مکتوب» أم الكتابه أم كتب» أم «ب» إلخ، في حين أن الظلال المعنوية المتفرعة عن هذا المعنى تنشأ غالبا عن تغيير الصوائت، كالتغيير الحاصل في تحويل المعلوم كتبه إلى المجهول «ب» أو جمع كتابه على «تب»، وإن كانت الصوامت سهم أحيانا، الصوائت، في تحديد المعاني، كما في إضافة السوابق (كميم لمفعوله) أو المقحمات (كتاء «افتعله) أو اللواحق (کنون التنكير). إن هذا الفرق بين صفة «الثبوت» في الصوامت وصفة «التقلب» في الصوائت هو الذي أملى طبيعة الكتابة السامية، ولذلك فهي نابعة من طبيعة الاشتقاق في هذه اللغات ومناسبة لها تماما . وإننا نرى أن الكتابة العربية - على ما رماها به المتعصبون عليها انتقاد جائر - توافق طبيعة العربية الاشتقاقية تمام الموافقة، وتلك هي الحجة الأقوى في رد قول الداعين إلى تغييرها، علاوة على أن ما يكتب ويلفظ في العربية تفوق، بما لا يقاس، تلك العلاقة في الكتابات التي تستخدم الحرف اللاتيني. ومهما يكن من شيء، ليس من وراء اختيارنا رموز الكتابة الصوتية إلا حرصنا على إظهار الصوائت القصيرة في البنية الأساسية للكلمة المكتوبة تسهيلا للمقارنة والتعليق . من العلاقة بین وبعد، فإني أضع هذه المحاولة المتواضعة بين أيدي القراء والدارسين، راجيا أن سهم في فهمنا لخصائص العربية ولعلاقتها بأخواتها الساميات وبالسامية الأم. فإن أ أصبت فلا فخر، وإلا فعذري أن قصدي خدمة لغتنا وتراثنا. وما توفيقي إلا بالله ، فإياه أسأل أن ينفع بعملنا هذا أبناء العربية وعشاقها، وأن يتقبله لوجهه خالصة . رمزي منير بعلبكي الجامعة الأميركية في بيروت نیسان ۱۹۹۹

فقه العربية المقارن - الدكتور رمزي منير بعلبكي.pdf فقه العربية المقارن - الدكتور رمزي منير بعلبكي